ابن كثير
194
البداية والنهاية
علي بن الخليفة المهتدي بالله العباسي ، كان من سادات العباسيين وأئمة المسلمين ، وخطباء المؤمنين ، استمرت أحواله على السداد والصلاح ، لم ينقطع قط عن الخطابة ولم يمرض قط حتى كانت ليلة السبت الثامن والعشرين من هذه السنة ، قام في أثناء الليل لبعض حاجاته فسقط على أم رأسه ، فسقط من فمه دم كثير وسكت فلم ينطق كلمة واحدة يومه ذلك إلى الليل ، فمات وكانت له جنازة حافلة رحمه الله تعالى وعفا عنه بمنه وكرمه . ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وستمائة وهي سنة الخوارزمية ، وذلك أن الصالح أيوب بن الكامل صاحب مصر بعث الخوارزمية ومعهم ملكهم بركات خان في صحبة معين الدين ابن الشيخ ، فأحاطوا بدمشق يحاصرون عمه الصالح أبا الجيش صاحب دمشق ، وحرق قصر حجاج ، وحكر السماق ، وجامع جراح خارج باب الصغير ، ومساجد كثيرة ، ونصب المنجنيق عند باب الصغير وعند باب الجابية ، ونصب من داخل البلد منجنيقان أيضا ، وتراءى الفريقان وأرسل الصالح إسماعيل إلى الأمير معين الدين بن الشيخ بسجادة وعكاز وإبريق وأرسل يقول : اشتغالك بهذا أولى من اشتغالك بمحاصرة الملوك ، فأرسل إليه المعين بزمر وجنك وغلالة حرير أحمر أصفر ، وأرسل يقول له : أما السجادة فإنها تصلح لي ، وأما أنت فهذا أولى بك . ثم أصبح ابن الشيخ فاشتد الحصار بدمشق ، وأرسل الصالح إسماعيل فأحرق جوسق قصر والده العادل ، وامتد الحريق في زقاق الرمان إلى العقيبة فأحرقت بأسرها ، وقطعت الأنهار وغلت الأسعار ، وأخيفت الطرق وجرى بدمشق أمور بشعة جدا ، لم يتم عليها قط ، وامتد الحصار شهورا من هذه السنة إلى جمادى الأولى ، فأرسل أمين الدولة يطلب من ابن الشيخ شيئا من ملابسه ، فأرسل إليه بفرجية وعمامة وقميص ومنديل ، فلبس ذلك الأمين وخرج إلى معين الدين ، فاجتمع به بعد العشاء طويلا ، ثم عاد ثم خرج مرة أخرى فاتفق الحال على أن يخرج الصالح إسماعيل إلى بعلبك ويسلم دمشق إلى الصالح أيوب ، فاستبشر الناس بذلك وأصبح الصالح إسماعيل خارجا إلى بعلبك ودخل معين الدين بن الشيخ فنزل في دار أسامة ، فولى وعزل وقطع ووصل ، وفوض قضاء القضاة إلى صدر الدين بن سنى الدولة ، وعزل القاضي محيي الدين بن الزكي ، واستناب ابن سنى الدولة التفليسي الذي ناب لابن الزكي والفرز السنجاري ، وأرسل معين الدين بن الشيخ أمين الدولة غزال بن المسلماني وزير الصالح إسماعيل تحت الحوطة إلى الديار المصرية . وأما الخوارزمية فإنهم لم يكونوا حاضرين وقت الصلح ، فلما علموا بوقوع الصلح غضبوا وساروا نحو داريا فنهبوها وساقوا نحو بلاد الشرق ، وكاتبوا الصالح إسماعيل فحالفوه على الصالح أيوب ، ففرح بذلك ونقض الصلح الذي كان وقع منه ، وعادت الخوارزمية فحاصروا دمشق ، وجاء إليهم الصالح إسماعيل من بعلبك فضاق الحال على الدماشقة ، فعدمت الأموال وغلت